لفرط ما كان يشغل تفكيري عالمهم المذل هكذا قررت أن أخوض غمار عالم التسول، وأحل ضيفة ليوم واحد بين جدرانه المتصدعة بالرغم من كل ما قد يعتريها من مخاطر، فالمهم هو أن أؤدي دور شحاذة شابة، واكتشف بتجربتي الميدانية ما تتعرض له بنات جنسي من مخاطر ومضايقات، وأتعرف أيضاً على أسرار مهنة التسول في شوارع بغداد، وكم كان بودي لو سمح لي الشحاذون الدخول إلى عالمهم السري والتعرف على أماكن منامهم والعصابات التي تسخرهم، ولضمان مهمتي كان لا بد من التنكر بملابس تشابه تماماً ما تخفيه خلفها المتسولات اللواتي يتسربن يومياً بالعشرات بين أسراب السيارات والأزقة والجسور، وجوههن الحقيقية إذن هي البوشيه وعباءة سميكة أفقدتها حرارة الشمس لونها الأسود بعد أن حولته إلى رمادي...
قصص مأساويّة مصطنعة
التجول بين أسراب السيارات المترقبة في تقاطع جسر السنك المكتظ كعادته بالزحام كان هو محطة تسولي الأولى التي قررت الانطلاق منها، فوقفت لبرهة بجوار عشرات السيارات التي كان يغري منظرها أي شحاذ بالعالم، وأخذت اطرق زجاج نوافذها بحركات مفبركة وإيماءات تنم عن ضعف حالي وحاجتي الماسة للمساعدة، متذرعة بأكاذيب مختلفة، منها أطفالي اليتامى الخمسة الذين غيّب الموت أبيهم مبكراً، ومنها كوني مهجرة، وأعيل سبع بنات، وكنت كلما اقطع الأمل واغرق باليأس من يد العطاء من أن تمتد لفتح باب تلك الواجهة الزجاجية أجر أذيال الخيبة قاصدة سيارة أخرى، لكن بقصة لا تختلف كثيراً عن سابقتها في هول ما أعيشه من حرمان وفقر مضى على وجودي في هذا المكان أكثر من ساعة، وأنا أواصل تصفح الوجوه وأحوم حول النوافذ الزجاجية التي كانت تفصل عالمهم المضيء عن عالمي المظلم ، بعض كان يتعطف معي بعد أن يشبعني بنظرات اللعنة والاحتقار بـ(ربع ممزق!). أما الآخر، فقد كان يتلو عليّ لائحة من النصائح والمواعظ والحكم تنتهي بكلمة (الله ينطيك)، ولا أنسى تصرف احد الشبان الثلاثة الذين كانوا يستقلون سيارة BMWحين طلبت منه المساعدة، قال: أمهليني دقائق، ففتش جيبه الأعلى، ومن ثم نزل يفتش جيوب بنطاله بطريقة بهلوانية، ختمها بالقول (عيوني تعاي باجر بالوكت نفسه!!)، فاضطررت لمغادرته، وأنا غاضبة.
نصائح ووصايا بالمجان !
شعرت في تلك الأثناء بطول الطرقات يزحف على قدميّ، وأحسست بحرارة الشمس كيف كانت تخترق عباءتي السوداء، فتشعل كل ما تحتها ناراً ، ففكرت بالجلوس فوق أحد الأرصفة القريبة لأريح جسدي الذي بدأ الإنهاك يثقله، وأعد في الوقت نفسه ما كسبته من مال، والذي قارب حينها الثلاثة آلاف دينار، انتقلت بعدها إلى مكان آخر، وهو منطقة الشورجة تلك البقعة المزدحمة بعربات الباعة المتجولين والعتالين وسيارات الحمل وعربات تجرها الخيول، فدنوت من شاب حمال تجاوز عمره الخامسة والثلاثين كان جالساً داخل عربته بانتظار أن يأتي من يستأجره بحمولة، فقلت له بنبرة حزن: أنا مهجرة وزوجي قتل، وليس لي سكن، فرد عليّ بعد أن سحب شهيقاً، وتأفف: (ترى ماكو واحد بالدنيا ما عنده بيت، روحي بابه آني رجال على باب الله، هم من تبيعين خضرة تعيشين!). فسحبت نفسي بسرعة وخجل بعد أن لمحت في نهاية تقاطع أحد الشوارع سيارة للشرطة متوقفة، فقلت في نفسي ماذا لو جربت معهم بث معاناتي، علماً أنني اخترت هذه المرة دور امرأة مطلقة ومسؤولة عن أربعة صغار أكبرهم لم يتجاوز العاشرة من عمره، اقتربت من تلك السيارة التي كان يجلس فيها ثلاثة شبان، اثنان منهم يشغلان المقاعد الأمامية، أما الثالث فكان مستلقياً على المقعد الخلفي، قلت بصوت وآه: أنا امرأة وحيدة هجرني زوجي منذ أربع سنوات، ولا املك ما اعتاش عليه، وليس لديّ أي عمل يعينني ، وقبل أن أكمل جملتي وسط اندهاش وذهول الشابين الجالسين في مقدمة السيارة، وإذا بالشاب المستلقي ينهض معدلاً من جلسته، وقاطعني بعد أن تفرس بوجهي الذي لا اعرف كيف استدل من خلف البوشية على بعض من ملامحه، فقال بنبرة خافته: حواجبك هاي دك لو تاتو!!، فانصرفت مسرعة وتجنباً لحصول ما لا تحمد عقباه!.
تجوال صعب وواقع قاسٍ
واصلت المسير والتسول ما بين المارين والجالسين، وكنت بين كل ثلاثين دقيقة اجلس قليلاً للراحة، وغالباً ما اختار الأرصفة المحاذية للنفايات والمياه الآسنة إلى أن وجدت نفسي وسط منطقة الصدرية، وإذا بصوت شجار يتسلل إلى مسامعي، وأنا جالسة، فالتفت لأستبين ما يحدث، وإذا بأحد رجال المرور الغاضبين حائراً حيال مشهد غريب لتعاكس السير بين صاحب عربة يجرها حمار وسائق حمولة معبأة بأكثر من الوزن الطبيعي، وكلا السائقين كان يلقي باللائمة وتبادل الشتيمة على الآخر، ورجل المرور المسكين يحاول فض النزاع من دون جدوى، خاطبته من الخلف بصوت متهجد، وحال سماعي التفت بوجهٍ يغسله العرق، وترسم أشعة الشمس الحارقة بقعها الداكنة حول يمينه قائلاً: (بيمن امصبح اليوم)، فأدار وجهه غير آبه بوجودي وتوسلاتي ليواصل محاولات فض النزاع الذي وصل ذروته بين السائقين ، وأنا بدوري واصلت المشي، ولكن ببطء بعد أن أنهكني اللف والدوران بين أزقة الشورجة والصدرية والسنك وشارع الرشيد، وامتلأت ذاكرتي بعشرات الصور وردود الأفعال التي ربما يكتب قلمي بعضاً منها ويغض الطرف عن بعضها الآخر لأن واقعيتها وصلت في بعض الأحيان لحدود الخيال ،في تلك اللحظة ما قبل الأخيرة قادتني خطاي على مقربة من جسر الشهداء، فبان لي ظل عباءة إحدى المتسولات اللواتي جلسن بهيئة غريبة ومضحكة في منتصف الجسر، فذهبت باتجاهها وحين وصلت جلست أمامها مباشرة وأزحت البوشيه عن وجهي الذي تحول بعد جولة تسول مشمسة لمدة خمس ساعات إلى قطعة من (الشوندر) مرت ثلاثون ثانية من الصمت، وكلانا تحدق بوجه الأخرى إلى أن كسرت السكون بقولي : ""عفية ساعديني آني فقيرة"، فضحكت مني ومن ثم صرخت بوجهي"روحي منا مخبلة" فأخرجت ماحصلت عليه من نقود والتي كانت قيمتها عشرة آلاف واعطيتها لها، فعادت للضحك وشاركتها القهقهات .
في الحقيقة انا اتهيب او احسب للكثير كي ارد هنا لاسباب ربما متعلقة بالحاجز الكبير بين الرجل والمراة في وطننا ولو ان الكاتبة الغاليه ربما في عداد اعمار جيل لحق من بناتنا ..
الموضوع يحمل صفة تجريبيه ...ولو ان الخطر كان كبيرا مع هذا لكني ارى ان التجربة لا تخرج عن حيز البحث عن الحقيقة وهذا بطبيعته شيء ليس سهل .
لقد اوصلتنا الكاتبة الى مشهد ولو انه ليس بعمق الحدث موضوع البحث لكنه اثمر شيء خاص لجهود ليست هينة ,فاوصل لنا صورة ناصعة من لجانب كبيرة المضمون .
عاشت ايدك وسلمت فراستك لاختيارك هكذا موضوع وهذه انتقاله حقيقيه لاختيار المواضيع ان دلت على شيء فهي تدل على مهنيتك ايتها الاخت الفاضله.وواصلي بنقل الصوره الحقيقيه للثقف العراقي لعلكي تصلحي مافسده السياسيون وحشى للدهر ان يفسد شئ.
موضوع شيق
[بتاريخ : الثلاثاء 12-01-2010 09:08 صباحا ]
[B]من خلال هذا الطرح نقول انك فعلا امرأة جريئة نقلت لنا صورة عن نظرة المجتمع الى المتسول ,وان التسول هي ظاهرة غير حضارية تفرز من نتائج الحروب والازمات الاقتصادية ,ويجب على الدولة ان تهتم بهذا الجانب باحتواء المتسولين وادخالهم في برامج تدريب لغرض تأهيلهم للعمل او تصرف لهم راتب من دائرة الشؤن الاجتماعية ,وانا مع مساعدة الفقير والمحتاج ولوبصدقة صغيرة بدون تجريح حسب قولة تعالى "قول بمعروف واحسان خير من صدقة يتبعها اذى " وان موضوعك يصلح ان يكون قصة لسيناريو فلم او دراما القصة القصيرة akeel_salah_(at)_yahoo.com
من خلال هذا الطرح نقول انك فعلا امرأة جريئة نقلت لنا صورة عن نظرة المجتمع الى المتسول ,وان التسول هي ظاهرة غير حضارية تفرز من نتائج الحروب والازمات الاقتصادية ,ويجب على الدولة ان تهتم بهذا الجانب باحتواء المتسولين وادخالهم في برامج تدريب لغرض تأهيلهم للعمل او تصرف لهم راتب من دائرة الشؤون الاجتماعية ,وانا مع مساعدة الفقير والمحتاج ولوبصدقة صغيرة بدون تجريح حسب قولة تعالى "قول بمعروف واحسان خير من صدقة يتبعها اذى " وان موضوعك يصلح ان يكون قصة لسيناريو فلم او دراما القصة القصيرة ..akeel_salah_(at)_yahoo.com
ان مشكلة التسول مشكلة قديمة ، و متشابهة من حيث الاسلوب و التفنن مع وجود اختلاف في بعض تفاصيل صغيرة و صغيرة جداَ
انني سافرت الى دول كثيرة و شاهدت التسول في معضمها ما عدا الدول الاوروبية التي ظاهرة التسول فيها قليلة لوجود المسؤؤات الاجتماعية المتكفلة بهذا الصد...
الاخوة محرري الموقع الاعزاء قبل فترة وحال قراءتي لهذا الموضوع اعجبتني جراة الاخت الكاتبة وكتبت تعليقا بذلك وطرحت كذلك رايي في التجربة وخلاصتها التي كنت اتمنى ان تكون اوضح مما قرات واشدت بالاخت وحماسها ولكن الى الان لم يظهر هذا التعليق ضمن التعليقات المدروجة وهو الذي كان ثاني تعليق بعد الاخ ناجي هل كان فيه مايعيب او يمس الاخت باذى ياريت لو توضحون ارجوكم...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأخ سوگاوي المحترم
أجمل وأرق تحية أرسلها لك متمنياً لك ولجميع الزوار بالسلامة ... وبعد
عزيزي كما عودكم موقع سوق الشيوخ أن التعليقات والمشاركات التي تساهمون بها هي تنشر ولا يوجد من تعليق يتم خذفه الا اذا كان في سب وشتم .
أنا متأكد من ان تعليقك لم يصل والا قد شاهدته ولكن أعتقد وجود خطأ في ذلك الحين ... تقبل أعتذارنا
راجي الزهيري
لا اعرف ما الغرض من هذا الموضوع صحيج في جرءه كبيره ولكن اجده كشف لصفات ا لاخرين التي سترها الله كان الاجدر بها ان تدرس حالة المتسولين لا المعطين فلا غرابه في ان يعطي شحص ويبخل الاخر على العموم تجربه جيده تحتاج الى دراسه
اتمنى من الاخوة في موقع سوق الشيوخ تغيير الموضوع لان
الموضوع قديم من ناحية الاعلان ولم يعجب كثير من القراء
لان الفتاة التي كتبتة جازفت على شي معرف النتيجة هذا وقع حال موجود في كل البلدان وفي الاساط التي خاطرت بنفسها ولو سئلت احد اخوتها لكان قال لها ما سيحدث بدون
كل هذا كله ...مع فائق الاحترام والتقدير