الأتربة تجلل ملابس الشيخ ذي النظارات المؤطرة بالفولاذ.كان يجلس على قارعة الطريق المؤدي الى جسر عائم عبر النهر حيث تعبر العربات والشاحنات والرجال والنساء والأطفال . العربات التي تجرها البغال ترنحت فوق ضفة الجسر شديدة الأنحدار والجنود حاولوا جاهدين اسنادها وذلك بدفع برامق العجلات.
توقفت احدى العجلات وترجل منها جميع المزارعين الذين ساروا بتثاقل شديد في التراب الذي غطى اقدامهم بشكل كامل ، غير ان الشيخ ظل في مكانه فقد بلغ به الأعياء حدا جعله لايستطيع ان يواصل المسير مسافة ابعد.
كانت مهمتي ان اعبر الجسر وأعرف النقطة التي تقدم اليها العدو .فعلت ذلك ورجعت الى الجسر فلم ابصر الآ عربات قليلة الا ان الشيخ كان مايزال هناك
- من اين اتيت؟
رد مبتسما من (سان كارلوس)
كانت تلك مدينته الأصلية وعند ذكرها أحس بمتعة كبيرة قال:
- كنت مهتما بالحيوانات.
- آه ...لم افهم بالضبط
- أن لي اهتماما بالحيوانات منذ زمن طويل ، وكنت آخر من غادر مدينة (سان مارك)
لم يبد عليه انه كان راعيا في كنيسة أو قطيع ثم نظرت الى ملابسه السود المتربة ووجهه الرمادي المترب ونظارته المؤطرة بالفولاذ.
- اية حيوانات تلك التي تهتم بها؟
- حيوانات مختلفة.
هز رأسه قائلاً: كان علي ان اغادرها.
كنت اراقب الجسر وريف (دلتا ابرو) ذا المظهر الأفريقي وتساءلت مع نفسي كم يفصلني من الوقت بين رؤيتي للعدو وبين اللحظة الحالية . كنت اصغي كل تلك الفترة القصيرة لأصوات الضوضاء . كان الشيخ مايزال هناك.
- أية حيوانات كانت تلك؟
- كانت ثمة حيوانات بالتمام والكمال . اثنان من الماعز وقطة واحدة . وكانت هناك ايضا اربعة ازواج من الحمام .
- وهل كان عليك ان تترك هذه الحيوانات؟
- نعم بسبب نيران المدفعية 0وبينما كنت اراقب النهاية البعيدة للجسر حيث العربات القليلة الأخيرة تسرع الى اسفل منحدر الضفة 0سألته:
- أليست لديك عائلة ؟
- لا0 فقط الحيوانات التي ذكرتها 0 القطة ستكون-بالطبع-على مايرام0القطة بمقدورها ان تكون حذرة على نفسها ولكني لاأظن ماذا سيحل بالبقية؟
- وماهو معتقدك السياسي ؟
- ليس لدي معتقد سياسي 0عمري ستة وسبعون عاما وقد اتيت لتوي من مسافة اثني عشر كيلو مترا 0وليس بوسعي ان اسير ابعد من هذا المكان0
- ولكن المكان ليس ملائما للتوقف، فأذا كنت تستطيع ان تدبر أمرك فهناك شاحنات في اعالي الطريق حيث يتفرع الى (ترتوسا)
- سأنتظر برهة ومن ثم اذهب ....اين تذهب الشاحنات؟
- بأتجاه برشلونة0
- ليست لدي معرفة بأي شخص في ذلك الأتجاه ولكني اشكرك كثيرا على أية حال0
نظر اليّ بأنشداه نظرة قلقة قائلا:
ستكون القطة على مايرام ، فلاحاجة للقلق عليها ولكن ماذا سيؤول مصير الآخرين في رأيك؟
- لماذا .....؟ ربما خرجوا سالمين من المحنة.
- اتعتقد ذلك؟
- لم لا؟ كنت اراقب الضفة البعيدة حيث لاتوجد هناك عربات
- ولكن ماذا عساها ان تفعل تحت نيران المدفعية؟
- هل تركت قفص الحمام مفتوحا؟
- نعم 0
- اذن سيطير
- نعم 0 بالتأكيد سيطير 0
- قلت له (بالحاح):
- اذا ارتحت فغادر . انهض وحاول ان تمشي الآن.
- شكرا . ثم نهض على قدميه وترنح من جانب الى جانب ثم جلس على التراب بأتجاه معاكس لجلسته السابقة.
- قال (بفتور) : كنت أهتم بالحيوانات فقط ولكني لم اعد الآن قادر على ذلك 0كان كل شيء هادئا بالنسبة له ، وعيد الفصح في يوم الأحد والفاشيون يتقدمون بأتجاه مدينة (ابرو).
كان يوما رماديا ملبدا بالغيوم الخفيضة حتى ان طائراتهم لم تكن عالية 0وأن الحقيقة التي مفادها ان القطط تعرف الكيفية التي بواسطتها تستطيع ان تداري نفسها ، كانت الحظ السعيد الذي امتلكه هذا الشيخ من قبل.
ارق التحيه الى الاستاذ العزيز عبد الخالق ..مااروعك حينما كنت تلميذاحيث كنت بارعا في درس الانكليزي حتى صرت صديقا للاستاذ سيد مرتضا رحمه الله..وما اروعك حين خلفت استاذك وصرت استاذا في اللغه الانكليزيه وها انت استاذا قصصي رائع..بوركت تلك المدينه التي انجبتكم مدينة الشعراء والادباء والقراء مدينة سوق الشيوخ.