
الشاعر
جمعة معيشي داود الشمري
( أبو معيشي )
المقدمة
منذ نعومة أظفاري وأنا أجلس أمام الشاعر الكبير أبو معيشي كان ذلك في نهايةالستينات عندما كنت طالبا في الصف الخامس الأبتدائي0 عندها لم أكن أدرك ماهو الشعر؟ لكني أدرك شيئا واحدا هو اني ارتعش امام هذا الرجل الذي ترك الزمان على تقاسيم وجهه بصمات السنين بكل وضوح0ارتعش ارتعاشة يديه وهو يشير الى نخلة في بستان المرحوم (الزايردولي) تلك النخلة التي يفضل الجلوس تحتها معظم اوقاته ليسلم أحاسيسه الى اللاوعي في غيبوبة لايصحو منها الا على بيت او بيتين من شعر الابوذية كنت أشاهد اغماضة عينيه وتمتمات شفتيه الذابلتين قبل ان يفيق ليناديني بلهجته البدوية(ولد انعاس)اكتب لي (ايكول ابو معيشي)ثم يكمل مايريد تدوينه0كانت يداي ترتعشان ارتعاشة بيوتنا المصنوعة من القصب وقت اشتداد الريح وبعد ان انتهي من الكتابة يدفع لي (عشرين فلسا)عشرة منها للطابع حيث أرسل له ماكتبته الى شعراء الشطرة في احيان كثيرة واحيانا الى بعض الشعراء في المدن العراقية الأخرى وعشرة فلوس يقول لي هذه لك (كتابية)اي ثمنا للكتابة 0كنت فرحا لانني ادون في دفتري الصغير تلك الابيات الشعرية ومعها احصل على (عشرة فلوس) هي حلم صبي صغير مثلي وبمرور الايام وانا اشاهد بعض الشباب العشاق وهم يلتقون بالشاعر ابو معيشي يطلبون منه شعرا يرسلونه كل منهم لمحبوبته0كنت الاحظ تعاطفه الشديد معهم فهو يعتبرهم غرقى بحاجة الى من يمد لهم يده ولم انس ذلك الشاب الوسيم وهو يقصده حيث يجلس تحت النخلة التي ادمنت
سماع شعره ويطلب منه ان يساعده في كتابةبيت من شعر الابوذية له ليرسله الى محبوبته0فيساله الشاعر ابو معيشي عن اسمها فيرد عليه بلوعة( حمدية جدي) هنا يدخل شاعرنا في غيبوبته المعتادة 0ثم يفتح عينيه على ابتسامة ليقول له(ولك تحبها)فيقول له (أي والله جدي)فيقول له اكتب
حميده الخذت من عيني وسنها تبر يحباب من تبسم وسنها عليها اسيوف ايردها وسنها وراوي المعتدي اليوم المنية
حينها قبل الشاب يد الشاعر وذهب مسرعا فأبتسم ابو معيشي ابتسامة رضا00وابتسمت انا أعجابا عندما ادركت قيمة الشاعر والشعر في المجتمع0كان المرحوم ابو معيشي انسانا رائعا قبل ان يكون شاعرا ،لمست ذلك من ابياته التي يرسلها لزملائه الشعراء والذين ادمنوا مساجلته كما انه ينظر للانسان كانسان بعيدا عن التفاصيل اجده يتالم اذا سمع ان هناك انسانا قد مر به الحزن فلايتاخر ان يبعث له ببيت او بيتين من الشعر للمواساة ،كان رائعا في كل شيء فهو يعطف علينا نحن الصغار 0فينادينا باسماء آبائنا فنجلس قربه ليتحدث لنا بلهجته البدوية0ثم يسالناعن اشياءباسمائها البدويةوفي احيان اخرى يقرا لنا شعرا حتى تجرأت ذات يوم وقلت له (جدي)اريد منك ان تكتب لي شعرا به هذه الكلمة( مناي) والتي عرفت فيما بعد بان هذه الكلمة هي الجناس في شعر الابوذية فاستسلم للمخاض الشعري لبعض الوقت ثم قال لي
اكتب0فكتبت البيت الشعري التالي والذي تلاشى من ذاكرتي نصفه بمرور السنين
(حرت مافرزن المطبوخ مناي ونظرت الصوج اثاري الصوج مناي)
هذه البداية جعلتني قريب من الشعر 0واحسست وقتها انني املأ الدنيا فخرا بان جناس هذا البيت الشعري كان مني هكذا كان ابو معيشي بانسانيته وبساطته ورغم اميته ووجوده وسط ساحةتعج بالشعراء الكبار بابداعهم فقداستطاع ان يخط حروف اسمه بكل وضوح ويتجاوز محليته0لذا وجدت ان الصفحات البسيطة التي دونت فيها شعره في كتاب (محطات مضيئة في شعر سوق الشيوخ)للمولف عماد العبادي هي بمثابة المظلمة الكبيرة لهذا الشاعر0لهذا احاول ان اوفق في هذا الكتاب لجمع مااستطيع جمعه من شعره ومساجلاته 0فالعذر للقارىء الكريم 0ومن الله التوفيق
فرقد الحسيني
السيرة الذاتية
جمعة معيشي داود خليل الشمري ويلقب كذلك0( الخميس)هذا هو اسم الشاعر (ابو معيشي)0اما ولادته فكانت في سنة 1880 ميلادية تقريبا في نجد حيث موطن اسرته 0وقد ارتحل جده مع اسرة ال خميس الى المنطقة التي استوطنتها وسميت فيما بعد (الخميسية)نسبة الى هذه الاسرة0 * 0ثم مالبث جده ان عاد الى موطنه الاصلي في نجد0ولوجود اسرة ال خميس في الموطن الجديد لذلك ارتحل والد ابو معيشي ومعه ولده جمعه واخوه الأكبر0 وسكنوا جميعا في نفس المنطقة0كان جمعه في السنة السادسة من عمره كما ذكر هو ذلك مرارا ،حيث يقول كنت انذاك (وغد)أي صبي ، ثم عمل فلاحا في احد البساتين هناك عندما بلغ الرابعة عشر من عمره ، ولكثرة احتكاكه بسكان مدينة سوق الشيوخ وشعرائها 0الذين يتوافدون على منطقة الخميسية للتجارة وتبادل السلع 0وكما هو معروف ان مدينة سوق الشيوخ من المدن العراقية التي عرفت قديما بحبها الشديد للادب والمعرفة وكما ذكرنا في الصفحات السابقة 0فقد اثرت في حياة ابو معيشي بشكل كبير 0والذي لم يمنعه عدم تمكنه من تعلم القراءة والكتابة فقد تفجرت طاقاته الشعرية مبكرا0وكما يذكر هو لبعض اصدقائه الشعراء00((انه ذات يوم وعندما كنت في السن الرابعة عشرة خرجت عصرا اتفقد بستان اعمل فيه وبمروري على احد السواقي شاهدت فتاة جميلة تغتسل فيها ولشدة اعجابي بمارايت فقد اقتربت منها قائلا بعد القاء التحية
يبدوانك من (المنتفج)أي من امارة المنتفق؟
فردت بنعم 0فقلت هل قرات القرآن؟قالت نعم
قلت وهل مرت بك سورة الكهف ؟ قالت نعم
قلت عبدك جمعه يقول
وحك سورة عصا موسى ولك هاف
ماتسكي زرع كلبي ولك هاف؟
يناهي العرك غث عينك ولك هاف
ومن تنعس منامك بين اديه
وبمجرد ان انتهيت من هذا البيت الشعري حتى رمتني بحجر قائلة
( تخسه يالعبد) فقلت لها انا لست عبدا لأبيك
كما ان هذا البيت الشعري هو اول بيت قاله ابو معيشي حيث اكد هو ذلك مرارا .0قد يكون هذا الموقف هو العامل الذي فجر الكامن الشعري لديه اضافة لعوامل اخرى 0وعندما بلغ مرحلة الشباب انتقل للعمل في احد البساتين في منطقة(اسديناويه) ثم تزوج بامراة هناك0 عاد بعدها الى الخميسية ليعاود العمل فيها0وقد رزق بولده البكر (معيشي) قبل ان ينتقل
الى مدينة سوق الشيوخ عندما كان في الثلاثين من عمره 0 سكن في بادىء الأمرفي محلة (الأسماعيليةالأولى) وفيها رزق باولاده عبد الله ثم فارس0 انتقل سكنه إلى محلة ( ألبكعاوية) والتي عرفت حديثا بمحلة العرب نسبة لمالكها المرحوم محمد العرب وفيها عاش معظم حياته0بعد ان عمل في بداية الأربعينيات حارسا في كراج لسيارات نقل الركاب بين مدينة سوق الشيوخ ومدينة الناصرية وقضى معظم حياته في هذه المهنة ، ارتبط بشعراء مدينة سوق الشيوخ بعلاقات طيبة بعد أن لمسوا فيه الطاقات الشعرية الهائلة ودماثة الخلق0وهكذا عاش وسط أناس يقدرونه حق تقدير وينظرون له باعجاب شديد حتى اصبح شعره فاكهة المجالس وحكمة المتحدث0 ولاشك ان مدينة سوق الشيوخ هذه المدينة التي تغفوباطمئنان على الفرات ورغم بعدها الجغرافي عن المدن الكبيرة وعن مراكز الثقافة فقد لقبت (النجف الثانية) و(سوق عكاظ) في ذلك الوقت لمكانتها الادبية المعروفة حيث يتوافد عليها الكثير من الادباء من المدن العراقية والعربية وخصوصا دولة لبنان ومشاركتهم في الاحتفالات التي كانت تقام انذاك و في مناسبات عديدة 0 كما ان تركيبتها الديموغرافية وانحدارات هذه التركيبة وانصهارها في مجتمع واحد مع تلاقح الثقافات لدى ابنائها وتعايشهم رغم التنوع بمحبة ووئام فقد ساعدت هذه العوامل وغيرها كثيرا في ابراز الطاقات الابداعية والمعرفية00ومنها هذا الانموذج الرائع(الشاعر ابو معيشي) الذي عشقه محبو الشعر حيث كانوا يقصدونه0ويلتقون فيه في بستان المرحوم(الزاير دولي) صباحا0وعصرا في مقهى صديقه الشاعر( الملا صكبان محيسن الازيرجاوي) حيث يجتمع اغلب الشعراء هناك قبل ان يعقدوا جلستهم في دكان كبيرللمرحوم( الحاج عناد الحريب) بعد ان اعد لهم مكانا خاصا افترشه بالحصران والسجاد العربي ثم ينتقل مجلسهم ليلا في احد منازل الشعراء وهكذا كانت هذه الاجواء السائدة للشعراء ومحبيهم حتىساعدت كثيرا في تكوين شخصيته وشهرته اضافة الى لونه المميز ووعيه وذكاءه ولهجته البدوية ومعرفته بمفردات البادية ومسمياتها و ثقافته العالية وفوق هذا حبه الشديد للشعر حتى لقب
( بالجوهرة السوداء) و( الدرة السوداء) 0انتقل الى جوار ربه يوم 24/12/ 1978 بعد ان شيعته ابناءالمدينة وشعراؤها0وقد رثاه بعض اصدقائه الشعراء وهو مسجى 00ثم دفن في مدينة الزبير 0ولازال عشاق شعره يزورون قبره لقراءة سورة الفاتحة وفاء له0 بعد ان ترك تراثا شعريا كبيرا من شعر الابوذية الذي تشتهر به مدن العراق الجنوبية عموما ومدينة سوق الشيوخ خاصة وهي اول مدينة عراقية نطقت بهذا اللون من الشعر وعلى لسان شاعرها حسين العبادي0
لكي نتعرف على البيئة التي عاش فيها الشاعر0حيث ان لها التاثير الكبير في تفجركامنه الشعري وصقل موهبتة لابد من استعراض شيئا مهما من تاريخ هذه المدينة التي عاش فيها
ابو معيشي طيلة حياته
مدينـة في عيـون الشمـس
قضـــاء سـوق الشيـوخ من مــدن العراق الحديثة الواقعة على ضفة نهر الفرات اليمنى ، يحده شمالاً وشرقاً الفرات وجنوباً وغرباً الصحراء الشاميــة . وهــو يبعـد 30 كم عن الناصرية ويقع تحتها .كانت له عدة اسماء كما يقال في التاريخ القديم ( ماروسي . التل الاسود ) مؤسس هذه المدينة الشيخ ثويني المحمد جد الأسرة السعدونية سنة 1762م وذلك عندما كان له الحكم في لواء المنتفق آنذاك . وكان له نفوذ على عشائر العراق ونجد في تلك الرقعة الجغرافية وكان معه في غزواته وفتوحاته سوق متنقلة وهي عبارة عن خيام تجار وباعة ينزلون قريباً من الأعراب اذا ضربوا مضاربهم وخيامهم فتقوم سوقهم ويعرضون فيها ما يحتاج اليه من لباس وآنية وآثاث وتبغ . ويقايضونها بغيرها من وبر وصوف وسمن وبقل وخضرة وغيرها ، ويوجد مثل هذا السوق عادة مع القبائل الرحــل . ثــم أن اعراب ثويني رغبوا في أن تقام سوق دائمة قريبــة من الفرات في الموقـع الذي هو اليـوم ( سوق الشيوخ ) لطيب مائه وحسن اهوائه وكثرة مرعاه . فإذن بذلك . فأشتق اسمه من الغاية الذي وضع لها . وقبل أن يعرف بهذا الاسم سمي سوق ( النواشي ) نسبة الى عشيرة النواشي المجاورة له ، حيث كانوا افراد هذه العشيرة يترددون على هذا التل لبيع وشراء حوائجهم . ثم اصبح اغلب شيوخ القبائل يترددون على تلك السوق فعرف باسمهم جميعاً . وبعد وفاة الشيخ ثويني سنة 1797 أصبح سوق الشيوخ مركزاً لمهمات شيوخ المنتفق ومخزناً لذخيرتهم ومؤونتهم وملجئا حصيناً يلجأون اليه كلما احتاجوا ذلك. ثم توافد التجار والكسبة والحرفيون على المدينة بشكل كثيف واتخذت كل فئة من هذه الفئات مساكن لها في جانب المدينة لا على اساس مهني ولكن على اساس قبلي . فالذين هاجروا من الاحواز وما جاورها من جنوب العراق وبينهم رابطة عشائرية اتخذوا مساكنهم على الفرات من شرق المدينة . فعرفت محلتهم ( محلة الحويزة ) والذين جاءوا كتجار ومقاولين من بغداد وبلد والحلة والموصل وما جاورها اتخذوا لهم مساكن جوار محلة الحويزة شمالها ، فعرفت محلتهم باسم
( البغادة ) ، والذين جاءوا من نجد والحجاز واطراف الجزيرة العربية اتخذوا لهم مساكن غرب المدينة وعرفت محلتهم باسم ( النجادة ) . والذين جاءوا من مدن وجهات أخرى متفرقة اتخذوا لهم مساكن مجاورة لمحلة النجادة جنوبها سميت محلتهم باسم (محلة الحضر ) واصبحت هذه المحلات الاربعة قائمة على التل الذي عليه المدينة الآن . كما أن هناك عمال وكسبة ليس لديهم سوى الجهد العضلي قد شيدوا أكواخهم من الطين والقصب والحصران في المنخفض المجاور للتل الذي سمي فيما بعد ( بمحلة الإسماعيلية )
. ومن جملة من هاجر الى المنطقة جماعة من الصابئة من أصحاب الصناعات والحرف كصياغة الحلي والحدادة سكنوا محلتهم المعروفة الآن ( الصابئة ) . كذلك كانت هناك جالية من اليهود يمارس أفرادها التجارة والصيرفة والربا ترك آخرهم المدينة في الثلاثينيات من القرن الماضي . كما سكنها جماعة من الايرانيين تعمل ( شكرجية ، حلوجية ، كبجية ، خرده فروش، خياطة الفرفوري ، نقر الرحي ) .
العوامل الاقتصادية .
كانت هذه المدينة على حافة صحراء نجد الشرقية فقد أصبح سوقها مركزاً تجارياً وتموينياً لعرب نجد . فأزدهرت التجارة والتبادل والمقايضة أزدهاراً عظيماً لم تبلغه أية مدينة في جنوب العراق أو وسطه . وبنيت وسط المدينة الاسواق المسقفة الطويلة المزدوجة بمئات الدكاكين السلعية والحرفية . كما شيدت مباني الخزن والتوزيع الكبيرة الواسعة ( الخانات التجارية ) والتي تمتلئ بالخزين من البضائع المستوردة من أسواق البصرة ومن الهند وتركيا والشام والخليج العربي وأيران . وهناك ثمة تجار متخصصون بتوفير أحتياجات سكان البادية ( البدو ) فيبادلون التمور والحبوب بالعملة الفضية (الريال ) فيتكدس لديهم من هذه العملة الكثير ليبيعونها بأغلى من سعرها المقدر الى مصارف بغداد والبصره والى صاغة الفضة . لأن هذه العملة مسكوكة من الفضة الخالصة . كما أزدهرت تجارة الصوف والجلود والدهن الحيواني في المدينة والقرى الحدودية بسبب تدفق البدو ببضاعتهم كما ذكرنا . أما ما يخص الزراعة . فقد وهب الله لهذه المدينة خصوبة الارض ووفرة المياه . فلقد كانت أشجار النخيل مزروعة بكثافة وعمق على أمتداد ضفتي الفرات من حدود مدينة الناصرية حتى مداخل هور الحمار . وكانت منتوجاتها من التمور تفيض عن حاجة أهالي المدينة فيتم تصديرها الى محافظة البصره لوجود المنفذ البحري ومنه تصدر الى خارج العراق . بواسطة التجار الذين يتوافدون في موسم التمور . حيث يقومون بشراءها وتخزينها ومن ثم نقلها الى الميناء . وقد تميزت التمور في سوق الشيوخ عن سواها بالأنواع العديدة وذات الجودة العالية.
كما كانت البساتين المحيطة بالمدينة تحتوي على أشجار الفواكه المتنوعة كالخوخ والتفاح والمشمش والعنب بأنواعه والرمان . والنبق . وتنتج بساتينها كذلك الخضار الصيفية والخريفية . اما زراعة الرز والحنطة والشعير والذرة فقد تميزت بها أيضاً . كما ان النوع الشهير من الرز وهو ( العنبر ) كان يزرع بكثرة فيها . وهناك حركة للسواح في العهود السابقة حيث يقصدون لزيارة الأهوار والتمتع بالطبيعة التي جعلها الله سبحانه محاط رحالهم . رغم قلة وسائط النقل وصعوبتها0
مسيرة التعليم
1. ان اهم شروط المجتمع الحضري هو أمتلاكه لقاعدة المعارف الاساسية وهي القراءةوالكتابة . ليشبع تطلعاته المعرفية والثقافية والدينية والاعلامية وحيث تبرز تلك التطلعات تبرز معها معالم التطور الاجتماعي بجوانبها العمرانية والتجارية والزراعية وكذلك الوعي السياسي والفنون بشتى اشكالها وبما ان التجمعات العربية . وبحكم عقيدتها وتربيتها الاسلامية وبحافز من تاريخها الحضاري العريق الذي يعيش في وجدانها . ترى ان التعلم والتعليم فريضة وواجب ولابد ان ينهض به المسلمون وبما أن التجمع السكاني في مدينة سوق الشيوخ وحتى في الارياف كان متطلعاً منذ البداية ولديه الرغبة في اداء فريضة العلم . فقد نهض بمهمة التعليم ماأطلق عليهم أسم ( الملالي ) ومفرده ( الملا ) مأخوذ هذا المصطلح من الأملاء والأمالي . وسميت مقراتهـم ( بالمكتب ) أو ( الكتاب ) . فكانوا يعلمون قراءة القران وحفظه ومبادئ كتابة الحروف والأرقام والحساب . هكذا كانت مرحلة التعليم في بواكيرها ثم تلتها تأسيس مدرسة السوق الاولى عام 1920 أما الان فهناك العديد من المدارس وللمراحل كافة نتيجة للتوسع الحاصل في المدينة والهجرة المتواصلة لها من الارياف والقرى المجاورة وقد تأسست أول مدرسة نظامية في سوق الشيوخ عام( 1920) بمبادرة وتمويل من أهل المدينة لإنشاء مدرسة لأولادهم. واختيرت أحد الدور المناسبة من محلة الحضر العائده للمرحوم(هادي السنيد)لتكون مقرا للمدرسة،وانتظمت الدراسة فيها عام (1920).وقد سميت (مدرسة السوق الأولى) وإن جميع معلميها في مرحلتها الأولى هم من المتعلمين من أبناء المدينة .ولقد كان الإقبال عليها كبيرا بحيث أصبحت البناية التي تعمل فيها المدرسةلا تستوعب العدد . فكان المقترح تأجير بناية أوسع وتجهيز البنايةبما يلزمها من أثاث . ومساعدة الطلاب الفقراء بالملابس واللوازم الدراسية . ولكون السلطات الحكومية ليس لديها المال الكافي . تقرر إقامة حفلة لجمع التبرعات لمساعدة المدرسة وفعلا تم إقامة حفل كبير تبارى فيه الأدباء والشعراء .حاثين المواطنين على تقديم الدعم من أجل المدرسة الابتدائية . ولدوافع أهل المدينة وتقديرهم للعلم والعلماء كانوا أسخياء في ظروف معيشية واقتصادية قاسية فتبرعوا بمبلغ 5675(روبية) وبعد توفر هذا المبلغ الكبير في ذلك الوقت انتقلت المدرسة إلى دار واسعة في محلة البغادة هي دار السيد محسن الطالقاني بعد إستئجارها من أصحابها وخلال العام (1929) تم تشيد بناية مدرسة السوق الحالية ذات ستة صفوف وانتقلت أليها المدرسة بطلابها وبوشر التعليم فيها للسنة الدراسية (1930-1931) .وبعد ازدحامها بالطلاب حيث الإقبال الشديد على طلب العلم اضطر المسؤولون الى استحداث مدرسة اخرى هي المدرسة ( الاولية ) باربعة صفوف في نهاية الثلاثينات ومكانها في بقايا(سراي الحكومة)الذي ترك بعد ثورة (1935) العشائرية
بفضل رجال هذه المدينة وحبهم للثقافة والمعرفة فقد كانت تمتاز هذه المدينة بكثرة ما فيها من مجالس المناظرات والمطارحات الشعرية وكثرة ما يقام فيها من إحتفالات في المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية فلا تمر مناسبة في مدينة سوق الشيوخ الا ودونها الشعراء . حتى تميزت وأصبحت موضع تقدير من الصحافة والأدباء في القطر العراقي وقد أشادت بمكانتها البارزة معظم الشخصيات الأدبية والثقافية حتى لقبت ب (سوق عكاظ) و(سوق المفاخر)و(سوق الشباب) ومن الحق والإنصاف نقول ما كان للحركة الأدبية أن تنهض في هذه المدينة لولا وجود أسرة
(ال حيدر) هذه الأسرة التي توارثت حمل راية نشر الدين والأدب وتوجيه الناس ونشر الوعي وقد ابتدأت هذه المدرسة الفكرية الثقافية بالعلامة الكبير الشيخ(علي بن الشيخ محمد علي بن الشيخ حيدر) ثم أتبع خطاه أحفاده فكانوا على نهج واحد حتى كان آخرهم المرحوم الإستاذ (جميل حيدر) والذي كان ولازال ديوانه منتدىً ومائدة للأدباء والشعراء000 هكذا بدأت الحركة الأدبية مبكراً مما يدل على الوعي الذي يمتلكه أبناء هذه المدينة فاستحقت أن يكتب ويتغنى بها الشعراء الكبار ومن ذلك قول الشاعر الشيخ عبد المنعم الفرطوسي :-
سوق الشيوخ وأنت سوق مفاخر
ومآثر فيه المكارم تنــفق
لك في ميادين المحا مد والعلـى سبق ومثلك في المحامد يسبق
أشياخ مجدك في الركــــانة أجبل ومن السماحة أبحر تتدفــق
وشبابك الحي المثقف كــــله روح يكاد من الطموح يحلق
ولديك خير قبـــــائلٍ عربيةٍ شم المعاطس بالإبـا تتنشق
العز وهو لها شعارٌ والوفـا من خلقها. والصدق وهو المنطق
كما قال عنها العلامة السيد محمد جمال الهاشمي :-
سوق الشيوخ وكم طويت بضاعةً للمجد منه وكم نشرت متاعا كم وقفة شهد العدو بفضلها
فيها تجاهد عن علاك دفاعا وصحائف منشورة , في طيها
أبدى جلالك للورى وأذاعا
وهذا بعض ما قيل عن سوق الشيوخ وهو نزر يسير. حتى لُقبت بالنجف الثانيه المصادرـ
لغة العرب / انستانس الكرملي1912
مدينة سوق الشيوخ / عبد الكريم محمد علي
المشعل الأول
ان الحديث عن الشاعر ابو معيشي يغري في التوغل لشعر هذا الشاعر المتعدد الأغراض فبدءا من الغزل والرثاء والأخوانيات والشعر الأجتماعي وأنتهاء بالشعر السياسي ،ولم ياتي هذا النسيج الشعري المتداخل اعتباطا وانما جاء من المامه بالموروث الشعبي وثقافته الشعبية في الزمان والمكان ووعيه لبيئته ومعايشتها يوميا واطلاعه على موروثها من خلال دواوينها العامرة لأمراء المنتفق والدواوين المبثوثة في سوق الشيوخ 0انه خريج هذه الدواوين وحامل ثقافتها الشعبية 0لقد سمع الشعر الجيد وسمو المعاني الأصيلة وحضر مناقشة الشعراء0امثال مزعل باشا السعدون وفهد عبد العالي السعدون فكان الجواد الأصيل الذي يجول في ميدان الشعر وبعد تلك الفترة استمر مع الرواد من شعراء سوق الشيوخ امثال عبد العزيز السليمان وساير العلي وسعود الراشد وحامد البدر وفيصل المشاري وحمدي الحمدي ومحمد المهنا 0فكان مجددا في شعره 0سريع البديهية 0لقد اعطى شعر الأبوذية بعدا اخر وأوصله الى مديات اوسع عندما ذاع صيته في جميع انحاء العراق والخليج العربي 0وترك لنا منجزا شعريا كبيرا مع الرواد في محافظة ذي قار واكمل مابدأ به الشاعر حسين العبادي
الأستاذ الشاعر حسين الهلالي
ـــــــــــــــــــ
المشعل الثاني
على اديم المكان والزمان تعيش المدن وتصنع مع احلام ساكنيها ذاكرة وحلما،فيما تبقى هواجس الحلم متعلقة برغبة صناعة الكلمة تهيم الذاكرة بمشاغل حفظ هذه الأحلام من طغيان النسيان وقدرته على تهديم خواطرناواتلافها،لهذا نسعى دائما لجعل ذاكرتنا مكانا هادئا لنتخيل ماكان يعاش وتدوين هذا التخيل باسفار يطلق عليها (التاريخ) ومدينة سوق الشيوخ هي واحدة من مدن الذاكرة والأبد،وهي قبل تمدينها بهذا الموقع الواقع على ضفتي الفرات الخالد كانت وجدا لبطائح متسعة من الماء والنخل والرقم التي دونت شجن ذاكرتها على الواح طين سومر وعبرت اسوار الزمن وهي محتفظة بكل ذالك الوجود البهي الذي كان الشعر والعلم والفن غذاءه 0اجيال واجيال عاشت على الثرى الرطب وهي تقرأ في روح المكان مشاعر الحياة وشجون محبة الأشياء:(الماء،القصب،الجوع،الطير،الحرب،السعر،السمك،الموسيقى)
كل هاجس وكل شجن وكل خليقة0وسط هذه الكرنفالات الروحية ولد الشاعر الأسطورة( ابو معيشي)في سبعينيات القرن التاسع عشر وليموت وهو ماسك اكثر من مائة عام من عمره0ولكنها مائة مثمرة،عاشت على فطرة الموهبة وشجنها كما فحول المعلقات في زمن ماقبل الأسلام0كانت حبكته حكمة،وكان البيت الشعر لديهرؤية لما قد يكون وكان يصور في الأبوذية وهو نمط ذو قالب مسجع ويمتاز بالقصر والدالة العميقة المشاعر بصدقها وبعمقها حتى انك تشعر انك امام فيلسوف وليس شاعر لهذا مثلت روحه جزءا من ادراك مايعاش في بصيرة محجوبة عن الشيء ولكنهاتراه في قلبها لتصفه كأبدع وصف ،لهذا الوصف المحير الذي سيعتلي سفوح المسمع برقة وشهوة وادراك،وهو أنتاج بديهية اسرع من البرق0فمرة سأل من الوفي في هذا الوجود؟فأجاب دون ان يدخل السؤال كاملا الى مسامعه(اخوي اللي دفن كبره بكبراي)00يعني الأخ الذي يشاركني بوفائه حتى وأنا متوسدا لحد ابديتي، عاش ابو معيشي دهرا طويلا لايحسن القراءة والكتابة ولكنه يحسن مايعجز عنه فطاحل المتعلمين وهي الصناعة الشعرية المتقنة والجميلة والحكيمة وهي صناعةلاتدرك الا مع الخبرة والموهبة وذلك الألهام الذي يسكنه الله فينا0ظلت هذه الأسطورة السومرية والتي لم تبرح سوق الشيوخ الا لشجن القصيدة تعيش أبدية الكلام وتصنع روحه الجميلة بموسيقى الفلب 0وظل ابو معيشي في سفره الحياتي الطوبل يمثل ذاكرة لحياة مدينة عرفها الشعروعرفه وهو رغم فطرته وعزلته لكنه شارك وبمهارة بصناعة التاريخ الأبي والحضاري لمدينة سوق الشيوخ ليقف جنبا الى جنب مع ادبائها وشعرائها كالشيخ المرحوم جميل حيدر وحمدي الحمدي وسالم الحس